اكتشف كيف يعمل الاغتراب اللبناني، من خلال تحويلاته التي بلغت 6.7 مليار دولار، كركيزة اقتصادية حيوية للبنان. يحلل هذا المقال دور هذه القوة العابرة للحدود في الاستقرار الاجتماعي، والإصلاح السياسي، وبناء مصير وطني مشترك للشباب اللبناني من مختلف الطوائف.
إن الدور المركزي لـ الاغتراب اللبناني هو موضوع أساسي بالنسبة لنا، من أجل فهم الديناميكيات الحالية للبلاد وتصور مستقبلنا المشترك. نحن، تجمع “بيناتنا” (Baynetna)، نتوجه إليكم، أيها الشباب اللبناني، للإعلام والتوضيح وبناء هذا المستقبل معاً. إن قناعتنا هي أننا نستطيع المضي قدماً نحو مصير وطني موحد.
الأثر الاقتصادي الحيوي للاغتراب اللبناني
الركيزة الاقتصادية: تحويلات المغتربين اللبنانيين
يُعتبر الاغتراب اللبناني، الذي يضم الملايين حول العالم، دعماً مالياً وثقافياً لا غنى عنه. إنها قوة تتجاوز الحدود وتعمل كثقل موازن حقيقي للأزمة.
من بين القنوات الخمس الرئيسية للمساهمة الاقتصادية للاغتراب اللبناني، يعد حجم وأثر تحويلات الأموال أمراً بالغ الأهمية. ويُشار إلى هذه التدفقات بالمصطلح التقني المناسب: تحويلات الاغتراب اللبناني.
دعم في مواجهة تآكل القدرة الشرائية
هذه التحويلات ليست مجرد أرقام؛ بل هي شريان حياة حاسم في مواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية التي عصفت بالقدرة الشرائية للعائلات اللبنانية. إنها تمثل الحصن الذي يسمح للملايين بمواجهة انهيار العملة الوطنية.
إن حجم هذه المساهمة مذهل، ولا يظهر أي علامات على التراجع. ففي عام 2023، ضخ الاغتراب اللبناني مبلغاً ضخماً قدره 6.7 مليار دولار في لبنان، مسجلاً زيادة بنسبة 4% تقريباً مقارنة بعام 2022. وهذا التدفق من العملات الأجنبية هو القوة الوجودية للبلاد. وتمثل هذه التحويلات أكثر من 80% من إجمالي التدفقات الخارجية للبنان (بما في ذلك المساعدات والاستثمارات الأجنبية المباشرة)، مما يسلط الضوء على التبعية الحرجة للاقتصاد لهذه المصادر.
وفي عام 2024، استمر هذا المبلغ في النمو ليصل إلى حوالي 6.9 مليار دولار، مسجلاً تقدماً ثابتاً. وتظهر التوقعات لعام 2026 أن هذا الرقم قد يصل إلى حوالي 7.2 مليار دولار، مما يؤكد أن اعتماد البلاد الحيوي على مغتربيها هو اتجاه متزايد القوة.
تمثل هذه التحويلات نسبة مذهلة تتراوح بين 27 إلى 31% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان (حوالي 30.7%). وبذلك يحتل لبنان المرتبة الثالثة عالمياً في هذا الاعتماد. وهذا أوضح دليل على أنكم، أيها اللبنانيون في الاغتراب، أنتم الركيزة المركزية للبقاء اليومي للوطن.
معدل التضخم في لبنان
أما بالنسبة للتضخم، فبينما أكد المعدل الفلكي البالغ 221% المسجل في عام 2023 حالة التضخم المفرط المستمر، يُقدر هذا المعدل بنحو 45% في عام 2024 (وفقاً للمعدلات السنوية المسجلة). ويتوقع صندوق النقد الدولي لعام 2026 معدلاً قد ينخفض إلى أقل من 15%، لكنه لن يمحو التآكل التراكمي للقدرة الشرائية الذي يظل ملموساً ومؤلماً على أرض الواقع.
تجاوز التبعية: الاغتراب اللبناني يستهدف اقتصاداً إنتاجياً
يطرح السؤال نفسه: هل هذا الاعتماد الكبير على الاغتراب اللبناني هو ميزة أم عائق أمام التنمية الداخلية للبلاد؟ تحليلنا واضح: الاغتراب اللبناني هو الركيزة للتعقيد الاقتصادي المستقبلي للبنان.
التحدي يكمن في تحويل تدفق البقاء هذا إلى رافعة للاستثمار الإنتاجي. يجب على المهني اللبناني الشاب ألا يكتفي برؤية الاغتراب اللبناني كمجرد مصدر لتمويل الطوارئ. بل هو، قبل كل شيء، شريك استثماري استراتيجي طويل الأمد.
من أجل تحقيق نمو مستدام، يجب على لبنان بالضرورة تحفيز هذا الرأسمال نحو القطاعات الإنتاجية. وهذا يتطلب حتماً استقرار الإطار الاقتصادي الكلي والتحسين الجذري لبيئة الأعمال، لا سيما فيما يتعلق بالبنية التحتية الحيوية (الطاقة، المياه، والاتصالات).
الجهات الفاعلة الرئيسية في التحول الاقتصادي اللبناني
المواطنون اللبنانيون في الخارج ليسوا مجرد مانحين؛ بل هم فاعلون اقتصاديون يعملون ضمن شبكة اغترابية عالمية يمكن أن تكون محركاً قوياً للتصدير والابتكار.
دور المستثمر والوسيط
ساهم المستثمرون في الاغتراب اللبناني تاريخياً في النمو الاقتصادي، وتحديداً في تأسيس المصارف، مما أثبت قدرتهم على توليد الثروة. وبصفتهم وسطاء ومفاوضين للاغتراب اللبناني، لديهم ميزة فريدة تتمثل في فهم الطلب في بلدان إقامتهم والدوائر التجارية في لبنان في آن واحد، مما يسهل التبادل وتصدير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة اللبنانية إلى أسواق جديدة.
التوجيه والتمويل الذاتي التدريجي للاغتراب اللبناني
أخيراً، وبصفتهم مروجين وموجهين للاغتراب اللبناني، فإنهم يعملون كسفراء للعلامات التجارية الوطنية ويمكنهم توجيه رواد الأعمال المحليين الشباب. إذا كنت، كرائد أعمال في لبنان، تستخدم تقنيات التمويل الذاتي (bootstrapping)، فاعلم أن المصطلح المناسب لهذا الجمهور هو التمويل الذاتي التدريجي. يمكن لهذه الروابط أن تحول مشروعاً محلياً صغيراً إلى نجاح دولي.
الدور الاجتماعي والسياسي والثقافي للاغتراب اللبناني
المشاركة المدنية
بعيداً عن الاقتصاد، يحافظ الاغتراب اللبناني على روابط قوية مع بلده الأصلي، مشكلاً جسماً حقيقياً عابراً للحدود. لذا فإن التأثير السياسي لـ الاغتراب اللبناني كبير ولا يمكن تجاهله.
تاريخياً، لعب الاغتراب دوراً حاسماً في اللحظات المفصلية من تاريخ لبنان. واليوم، تتجلى هذه المشاركة المدنية بطريقتين أساسيتين.
روافع التأثير السياسي والمدني
حقوق التصويت والمساهمة في الحوكمة
أولاً، من خلال حقوق التصويت للاغتراب اللبناني: يتمتع المغتربون اللبنانيون بحق التصويت في الانتخابات النيابية منذ عام 2018. وهذا يمنحهم فرصة مباشرة للمساهمة في اختيار القادة والتأثير في حوكمة البلاد.
الضغط السياسي والإصلاحات
ثانياً، من خلال قدرتهم على ممارسة الضغط وتعزيز الإصلاحات عبر شبكاتهم وجمعياتهم، يشارك المغتربون بنشاط في الإصلاحات المالية والاقتصادية، ومن أجل الحق الأساسي للأمهات اللبنانيات في نقل جنسيتهن. كما يمارسون نفوذاً سياسياً واقتصادياً في بلدان إقامتهم لدعم مصالح لبنان على الساحة الدولية.
الدور الاجتماعي والثقافي للاغتراب اللبناني
يمول الاغتراب اللبناني أيضاً مشاريع اجتماعية تتجاوز بكثير المساعدات الفردية والدائرة العائلية. ويشمل هذا الدعم المساعدات الغذائية الطارئة، فضلاً عن تركيب الألواح الشمسية – وهي مبادرات اضطرت لتعويض الغياب الصارخ للدولة في مجالات حيوية معينة.
إن انخراطكم هو إذاً أمر حيوي للبقاء الاقتصادي، وللحفاظ على النسيج الاجتماعي وصمود المجتمعات.
تتجلى الروابط الثقافية أيضاً من خلال الفن والعمارة. يجلب المهنيون اللبنانيون المدربون في الخارج مفاهيم معاصرة، ويدمجون التأثيرات الدولية مع التفكير في الوضع الاجتماعي والسياسي للبنان، مما يخلق جسراً أساسياً بين الوطن وبقية العالم. إن هذا الثراء في التبادل الثقافي هو أصل يجب على لبنان زراعته بكل تأكيد.
بناء مصير وطني موحد مع الاغتراب اللبناني
إن الاغتراب اللبناني هو قوة اقتصادية وسياسية واجتماعية لا تنضب. بالنسبة لك، أيها المهني اللبناني الشاب، سواء كنت في لبنان أو في الخارج، فإن التحدي يكمن في تحويل هذه القوة الحيوية إلى رافعة لسيادة كاملة ومصير وطني موحد.
إن الاغتراب اللبناني هو أكثر من مجرد تحويلات مالية؛ إنه تجسيد للتعلق بالوطن والثقة في المستقبل.
معاً، باختياركم “بيناتنا” (Baynetna)، نحن نختار المعلومات والحوار بين الأديان. المعلومات الدقيقة هي نقطة تجمعنا، وهي ما يوحدنا.
المصادر
تأتي الأرقام والتحليلات الواردة في هذا المقال من مؤسسات دولية ومصارف مركزية، مما يضمن موثوقية البيانات الاقتصادية الكلية:
